وهبة الزحيلي

82

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فنزلت آية المائدة : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة 5 / 90 ] فتركوا الشراب كله . ومعنى الآية : يا أيها المؤمنون لا تصلّوا حال السكر حتى تعلموا ما تقولون في الصلاة . وقد كان هذا تمهيدا لتحريم السكر تحريما باتا ، وكان نزول الآية في المرحلة الثالثة من مراحل التدرج في تشريع تحريم الخمر . واتفق أكثر المفسرين على أن الصلاة باقية على معناها الحقيقي ، والمعنى إذا أردتم الصلاة فلا تسكروا ، ولا تصلوا وأنتم سكارى ولا وأنتم جنب إلا في حال كونكم مسافرين حتى تغتسلوا . ويكون ذكر هذا الحكم قبل قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تشويقا إلى بيان الحكم عند فقد الماء . ويدل لهذا الرأي قوله تعالى : حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ أي لا تقربوا نفس الصلاة ؛ لأن فيها قراءة من آي القرآن ودعاء وأذكارا ، وكلها تتطلب الوعي والإدراك واستكمال القوى العقلية . وذهب الشافعي وابن عباس وابن مسعود والحسن البصري إلى أن الكلام على حذف مضاف وهو مجاز شائع ، والمراد : لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد ، بدليل تفسير وَصَلَواتٌ [ الحج 22 / 40 ] بأنها كما قال ابن عباس كنائس اليهود ، وإلا لم يصح الاستثناء في قوله : إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ وحتى لا يكون هناك تكرار بين قوله : إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ وقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ فمن أجل ذلك حملنا لفظ الصلاة على المسجد . وقد ترتب على هذا اختلافهم في حكم اجتياز الجنب المسجد ، فعلى الرأي الثاني : يجوز له العبور دون أن يمكث ، ويحرم عليه دخول المسجد في غير حال العبور . وعلى الرأي الأول : لا تدل الآية على حرمة دخول الجنب المسجد ، وإنما يستدل عليها بمثل ما روت عائشة رضي اللّه عنها قالت : جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد ، فقال : « وجهوا هذه البيوت عن